ارتفاع أسعار المكونات يكبح التوسع الصناعى فى الطاقة الشمسية
تسعى الحكومة لدفع القطاع الصناعى نحو التوسع فى استخدام الطاقة الشمسية ضمن خطط التحول للطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
لكن ارتفاع تكلفة إنشاء المحطات، وهى تكلفة مرتبطة باستيراد المكونات من الخارج، لا يزال يمثل التحدى الأبرز أمام الشركات.
ورغم ما توفره الطاقة الشمسية من وفورات تشغيلية على المدى الطويل، فإن طول فترة استرداد التكلفة وارتفاع التمويل يحدان من انتشارها، خاصة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ووجّه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، خلال اجتماع اللجنة المركزية لإدارة الأزمات، بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، فى خطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء.
«رضا»: الشركات تتردد فى ضخ استثمارات كبيرة بسبب ضغوط السيولة وارتفاع التمويل
قال أيمن رضا، الأمين العام لجمعية مستثمرى العاشر من رمضان، إن الجمعية تلعب دور الوسيط بين الشركات الراغبة فى التحول للطاقة الشمسية والجهات التمويلية وشركات التنفيذ، من خلال تسهيل التواصل وتقديم نماذج تمويلية تساعد على تقليل الأعباء الاستثمارية.
أضاف لـ«البورصة» أن هناك اهتماماً متزايداً من الشركات الصناعية بالتحول للطاقة الشمسية، مدفوعاً بارتفاع أسعار الكهرباء والرغبة فى تقليل التكاليف على المدى الطويل، لكن عدد الشركات التى نفذت هذا التحول فعلياً لا يزال محدودًا.
وأوضح رضا أن التكلفة الاستثمارية الأولية تمثل العائق الأكبر أمام انتشار الطاقة الشمسية، إذ تتردد العديد من الشركات فى ضخ استثمارات كبيرة فى ظل ضغوط السيولة وارتفاع تكلفة التمويل.
وأشار إلى أن الجمعية تسعى حالياً للتنسيق مع شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة لمناقشة آليات تفعيل مبادرة «شمس مصر»، التى تستهدف دعم تركيب محطات الطاقة الشمسية وتقديم حلول أكثر مرونة للشركات، سواء من حيث التمويل أو التنفيذ.
«الصياد»: فترة استرداد التكلفة أصبحت 7 سنوات نتيجة زيادة أسعار المكونات المستوردة
وقال شريف الصياد، رئيس مجموعة تريدكو الصياد للصناعات الهندسية، إن قطاع الصناعات الهندسية يعتمد بشكل أساسى على الكهرباء، ما يجعل الطاقة الشمسية الخيار الأكثر ملاءمة مقارنة بالوقود البديل، الذى لا يزال استخدامه محدوداً داخل القطاع.
أضاف أن عدداً متزايداً من المصانع بدأ بالفعل فى تركيب ألواح شمسية على أسطح المنشآت لتغطية جزء من احتياجاته الكهربائية، فى محاولة لخفض الاعتماد على شبكة الكهرباء التقليدية وتقليل التكاليف التشغيلية.
وأوضح الصياد أن التحدى الأكبر يتمثل فى ارتفاع التكلفة الاستثمارية الأولية، إذ ارتفعت فترة استرداد التكلفة لتتراوح بين 6 و7 سنوات حاليًا، نتيجة زيادة أسعار المكونات المستوردة، مقارنة بنحو 4 سنوات فى السابق قبل ارتفاع سعر الدولار.
وأشار إلى أن تسريع وتيرة التحول يتطلب تدخلاً تمويلياً مباشرًا، من خلال توفير قروض منخفضة الفائدة تتراوح بين 5 و6% موجهة لمشروعات الطاقة النظيفة، بما يقلل العبء المالى على الشركات.
وقدم رئيس مجموعة تريدكو الصياد للصناعات الهندسية مقترحاً جديداً يعتمد على دخول شركات القطاع الخاص فى إنشاء محطات الطاقة الشمسية وتمويلها، ثم بيع الكهرباء للمصانع بأسعار أقل من الشبكة الحكومية، وهو ما قد يسهم فى تجاوز عقبة التكلفة الأولية، بشرط وضع إطار تنظيمى يسمح بهذا النموذج ويشجع الاستثمار فيه.
«نصر»: الصناعة الخضراء أصبحت ضرورة تفرضها الأسواق العالمية
وقال صبحى نصر، نائب رئيس مجلس الإدارة لشؤون اللجان، إن خفض فاتورة الكهرباء يمثل أحد أهم الحوافز التى تدفع المصانع للتوجه نحو الطاقة الشمسية، نظراً لما يحققه من تحسين فى كفاءة استخدام الطاقة وتقليل ملحوظ فى التكاليف التشغيلية، وهو ما ينعكس فى النهاية على زيادة القدرة التنافسية للمنتجات الصناعية سواء فى السوق المحلى أو التصديري.
أضاف أن تقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى يسهم فى خفض الانبعاثات الكربونية والملوثات الهوائية، بما يتماشى مع الاتجاهات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، خاصة فى ظل الضغوط الدولية المتزايدة على سلاسل الإمداد لتبنى ممارسات أكثر استدامة.
وأشار نصر إلى أن الصناعة الخضراء لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة تفرضها الأسواق العالمية، لافتاً إلى أن الأسواق الأوروبية والأمريكية باتت تضع اشتراطات صارمة تتعلق بالبصمة الكربونية للمنتجات، ما يدفع المصانع المصرية إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة للحفاظ على قدرتها التصديرية.
وهذا التحول من شأنه إعادة رسم الخريطة الصناعية عالميًا، بحيث تستفيد الدول التى تمتلك موارد طاقة مستدامة أو القدرة على إنتاجها محليًا، فى حين تواجه الدول المعتمدة على مصادر تقليدية تحديات متزايدة فى المنافسة.
وقال مصدر مطلع باتحاد الصناعات المصرية إن الحوافز التى تقدمها الحكومة تمثل خطوة إيجابية، لكنها لا تزال غير كافية لدفع شريحة واسعة من الشركات نحو التحول للطاقة الشمسية، فى ظل الارتفاع الكبير فى تكلفة إنشاء المحطات.
وأوضح المصدر لـ«البورصة» أن تكلفة تركيب نظام طاقة شمسية بقدرة كيلووات واحد قد تصل إلى نحو 250 ألف جنيه، وهى تكلفة مرتفعة خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التى تعانى بالفعل من ضغوط تمويلية.
أضاف أن السبب الرئيسى فى ارتفاع التكلفة يعود إلى اعتماد السوق المحلية على استيراد معظم مكونات أنظمة الطاقة الشمسية، بما فى ذلك الألواح والمحولات، وهو ما يجعل الأسعار مرتبطة بشكل مباشر بسعر صرف الدولار، وبالتالى عرضة للزيادة المستمرة.
وهذا الارتباط بالاستيراد يحد من قدرة السوق على خفض التكلفة، ويجعل أى توسع فى استخدام الطاقة الشمسية مرهوناً بتوفير حلول تمويلية أو توطين جزء من الصناعة محليًا.
«الزغل»: تصنيع الألواح الشمسية بمصر يتطلب استثمارات ضخمة
من جانبه، أكد موسى الزغل، مسئول تطوير الأعمال الهندسية بشركة «بيرو فريتاس» الفرنسية، أن مصر تمتلك إمكانيات ضخمة لتصبح أحد أكبر منتجى ومصدرى الطاقة الشمسية، إذا تم استغلال مواردها الطبيعية بشكل أفضل.
أضاف لـ«البورصة» أن مصر تملك أطول ساعات سطوع شمسى على مستوى العالم، وهو ما يضعها فى موقع استراتيجى يمكنها من تحقيق إنتاج طاقة شمسية يتفوق على دول مثل ألمانيا وإنجلترا، اللتين تعدان من أكبر الدول المنتجة للطاقة الشمسية رغم ضعف سطوع الشمس فيهما.
وشدد على ضرورة دعم الحكومة للمبادرات التى تشجع على تركيب محطات الطاقة الشمسية، مثل تقديم إعفاءات ضريبية للمصانع والمنازل التى تعتمد على الطاقة الشمسية، بما يسهم فى تسريع عملية الانتقال نحو الطاقة المتجددة.
وأوضح أن الإعفاء الضريبى لمدة عامين للمصانع والمحلات التجارية التى تقوم بتركيب محطات الطاقة الشمسية سيكون له تأثير كبير فى تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار فى هذه التكنولوجيا والتحول للطاقة الشمسية.
قال الزغل إن مصر لا تزال تعتمد على استيراد المواد الخام اللازمة لإنتاج الألواح الشمسية، مثل السيليكون النقي، الذى يتم تصديره من مصر إلى الصين لإجراء عمليات تصنيع متعددة، قبل أن يتم تصدير المنتجات النهائية إلى مصر.
وأشار إلى أنه لا يوجد مصنع فى مصر حتى الآن يقوم بتحويل الرمال السيليكا إلى ألواح طاقة شمسية بشكل كامل، موضحاً أن تلك العملية تتم فى الصين عبر خمس مراحل تصنيع، وبعد ذلك يتم إرسالها إلى مصر على شكل خلايا لتجميعها وتصنيع الألواح.
ويتطلب تصنيع الألواح الشمسية بالكامل داخل مصر استثمارات ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات، وهى تحتاج إلى شراكات استراتيجية مع الشركات العالمية، سواء الصينية أو الشركات الكبرى فى مجال الطاقة المتجددة مثل السويدي، وإنفينتى باور، أو مصدر الإماراتية.
وأكد الزغل أن إقامة مصانع محلية لتصنيع الألواح الشمسية من الرمال المصرية يمكن أن يقلل تكاليف الاستيراد بشكل كبير ويعزز من تنافسية السوق المحلى والعالمي.
وأشار إلى أن الحكومة المصرية بحاجة إلى تقديم حوافز مالية وتكنولوجية لجذب الشركات العالمية للاستثمار فى هذه الصناعة، مؤكداً أنه حال تحويل الرمال إلى ألواح طاقة شمسية داخل مصر فسيكون ذلك بمثابة تحويلها إلى «ذهب»، وسيسهم فى تعزيز الاقتصاد المصرى بشكل كبير.
وشدد على احتياج مصر إلى تفعيل العديد من المبادرات الحكومية لتشجيع المصانع والمنازل على اعتماد الطاقة الشمسية، بما يعزز قدرة البلاد على تقليل الاعتماد على الكهرباء المستوردة وتخفيف الضغط على الشبكة القومية للطاقة.
«هيبة»: يجب إعفاء مكونات المحطات من «القيمة المضافة» والجمارك
ورحب المهندس أيمن هيبة، رئيس مجلس إدارة جمعية تنمية الطاقة المستدامة (سيدا) ورئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، بما أعلنته الحكومة بشأن إطلاق مبادرة تحفيزية تستهدف تشجيع المصانع والقطاع المنزلى على التوسع فى استخدام الطاقة الشمسية، مؤكداً أن هذه الخطوة تمثل دفعة قوية لمسار التحول الطاقى فى مصر.
وأوضح هيبة أن هذه التوجهات الحكومية تتسق بشكل مباشر مع مبادرة «شمس مصر» التى أطلقتها الجمعية والشعبة، والتى تم رفع مذكرة تفصيلية بشأنها إلى رئيس مجلس الوزراء، بهدف دعم التحول نحو الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى فى إنتاج الكهرباء.
وأشار إلى أن المبادرة تتكامل كذلك مع ما أعلنته وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بشأن التنسيق مع وزارة الصناعة لإلزام المصانع الجديدة كثيفة الاستهلاك للطاقة بتوفير نسبة من احتياجاتها عبر مصادر الطاقة الشمسية، وهو ما يتوافق مع توصيات المجلس الأعلى للطاقة الصادرة فى 12 يناير 2026، وأحكام القانون رقم 203 لسنة 2014 المعنى بتحفيز إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة.
ولفت إلى أن نجاح المبادرة الحكومية يتطلب حزمة من المحاور الداعمة، أبرزها الحوافز الضريبية والجمركية لمستخدمى الطاقة المتجددة فى القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية والسكنية.
وطالب هيبة بإعفاء مكونات الطاقة الشمسية من ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية، ومنح إعفاءات ضريبية وعقارية مرتبطة بفترات التمويل، إضافة إلى تطبيق إعفاءات ضريبية جزئية وفق نسب الاعتماد على الطاقة المتجددة، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات.
كما لفت إلى أهمية تطوير الإطار التشريعى بما يواكب التطورات التكنولوجية، والسماح بنقل الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية عبر الشبكات برسوم عبور واضحة وثابتة، بما يدعم كفاءة السوق ويحفز الاستثمار فى قطاع الطاقة المتجددة.



