خافيير بلاس يكتب: هل يقود نقص زيت الوقود إلى شللٍ الشحن البحري؟
“يعرض المتداولون الأسعار هاتفياً لفترات لا تتجاوز عدة دقائق على أساس :اقبل الآن أو ستفوّت الفرصة”
في صناعة النفط، يُعرف زيت الوقود بأنه المادة التي تأتي من “قاع البرميل”.
فعادةً ما يكون رخيصاً وغير مرغوب فيه كثيراً، وهو ينتج من أسفل برج التقطير النفطي، وهو الجزء الطويل في المصافي حيث يُسخَّن النفط الخام ويُفكَّك إلى عدة منتجات نفطية مختلفة.
لكن حرب إيران قلبت موازين الصناعة رأساً على عقب. فقد أصبح زيت الوقود الآن سلعة باهظة الثمن بشكل غير مسبوق، وهو تطور يحمل أخباراً سيئة للاقتصاد العالمي.
حتى الآن، تمكنت أسواق الطاقة من استيعاب صدمة الحرب إلى حد ما، مع بقاء أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل. لكن الوضع المتعلق بزيت الوقود يثير القلق، ولا يحظى بالاهتمام الكافي.
فرغم أنه غالباً ما تطغى عليه من حيث الأهمية منتجات أخرى في عملية التقطير، مثل الديزل ووقود الطائرات وفوقها جميعاً البنزين، فإن زيت الوقود يلعب دوراً محورياً في العالم الحديث، إذ يزوّد بالطاقة الركائز الأساسية للعولمة: وهي سفن الحاويات.
نفاد إمدادات زيت الوقود يهدد بتوقف السفن
المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع سعره إلى مستويات جنونية؛ بل إن الخطر الحقيقي يتمثل في احتمال نفاد الإمدادات في بعض الموانئ الرئيسية، ما قد يجبر العديد من السفن -من ناقلات الحاويات إلى سفن البضائع السائبة- على التوقف.
ويدق قطاع الشحن البحري ناقوس الخطر بالفعل، رغم أنه عادةً ما يكون حذراً في تصريحاته العلنية.
فقد قال فينسنت كليرك، الرئيس التنفيذي لعملاقة الشحن “ميرسك” لصحيفة “لوموند” الفرنسية هذا الأسبوع: “إذا لم نتصرف، فقد نصل إلى مرحلة تنفد فيها الإمدادات في بعض نقاط التزويد في آسيا”.
استناداً إلى مصادر في القطاع، فإن إمدادات زيت الوقود منخفضة للغاية في اثنين من أكبر ثلاثة مراكز تزويد السفن بالوقود في العالم؛ سنغافورة والفجيرة في الإمارات.
أيضاً بدأت تظهر مشكلات في عدة مراكز أخرى ضمن قائمة العشرة الكبار، في حين تبقى الإمدادات جيدة في الموانئ الأوروبية والأمريكية.
وتزداد المشكلة حدّةً لأن العالم استنفد بالفعل أبرز أدواته لمواجهة صدمة النفط، وعلى رأسها تجاوز المصافي والسحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية. أما في المرحلة المقبلة، فقد يصبح تراجع الطلب نتيجة ارتفاع الأسعار الوسيلة الوحيدة للحفاظ على توازن الاستهلاك مع الإمدادات المتاحة.
تراقب وول ستريت عن كثب أسعار النفط الخام، خصوصاً خام غرب تكساس الوسيط المتداول في نيويورك، وخام برنت المتداول في لندن. ويُعد هذان المؤشران مرجعاً يتابعه الجميع، من مستثمري السندات إلى البنوك المركزية.
لكن في الواقع، المصافي وحدها هي التي تشتري النفط الخام وبالتالي تتأثر مباشرةً بسعره.
أما العالم الحقيقي فيشتري المنتجات النفطية المكررة مثل البنزين والديزل وزيت الوقود، ولهذا فإن أسعار هذه المنتجات المكررة هي الأهم بالنسبة لنا.
سعر زيت الوقود يتفوق على سعر الخام
عادةً ما تتحرك أسعار الخام والمنتجات المكررة في الاتجاه نفسه، مع بقاء أسعار المنتجات أعلى قليلاً لتعكس تكاليف التكرير. لكن الظروف الحالية ليست طبيعية، فالعلاقة التقليدية بين النفط الخام وزيت الوقود انكسرت حالياً. فرغم أن خام برنت يحوم حول 100 دولار للبرميل، وهو ما يفترض أن تبقى أسعار زيت الوقود ليست في مستوى أعلى بكثير بعد إضافة هامش التكرير، إلا أن الواقع مختلف تماماً، فأسعار زيت الوقود أعلى كثيراً.
في سنغافورة، يُتداول زيت الوقود عند نحو 140 دولاراً للبرميل. وفي الفجيرة -أحد أهم موانئ تزويد السفن بالوقود قرب مضيق هرمز- يصل السعر إلى نحو 160 دولاراً للبرميل، بينما تبلغ بعض الأنواع التي تلبي معايير بيئية أكثر صرامة 175 دولاراً.
تتجاوز هذه المستويات غير المسبوقة بشكل كبير الذروات التي سُجلت في عامي 2022 و2008.
والأسوأ من ذلك أن الحصول على البراميل أصبح صعباً، إذ يعرض المتداولون الأسعار هاتفياً لفترات لا تتجاوز عدة دقائق على أساس “اقبل الآن أو ستفوّت الفرصة”.
الخليج العربي مصدر هام لزيت الوقود
يعود السبب الرئيسي في ذلك إلى إغلاق مضيق هرمز. فالممر المائي لا يمثل فقط عنق زجاجة لملايين البراميل من النفط الخام، بل أيضاً قناة لنقل كميات كبيرة من زيت الوقود المكرر بمنشآت في السعودية والكويت والإمارات.
فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية، تنتج هذه المصافي مجتمعةً نحو 20% من زيت الوقود المتداول عالمياً، في حين أن أهمية الخليج أقل بكثير بالنسبة لمنتجات أخرى مثل البنزين.
إضافةً إلى ذلك، فإن النفط الخام القادم من الخليج ينتج في المتوسط كميات أكبر من زيت الوقود مقارنة بنفوط مناطق أخرى، ما يزيد المشكلة تعقيداً.
فعلى سبيل المثال، عندما يدخل الخام العربي الخفيف السعودي إلى برج التقطير، فإن نحو 50% من نواتج التكرير تكوّن ما يُعرف بـ“البقايا الثقيلة”، وهي المادة المستخدمة في إنتاج زيت الوقود، مقارنة بنحو 33% فقط من برميل خام غرب تكساس الوسيط.
وحتى عندما تجد المصافي الآسيوية بدائل للخام من الولايات المتحدة أو حتى من روسيا، فإن النتيجة تكون إنتاج كميات أقل من زيت الوقود مقارنةً بالسابق.
ولهذا تسارع شركات الشحن وقطاع النفط إلى محاولة تخفيف الأزمة عبر نقل زيت الوقود من موانئ أوروبا مثل روتردام وجبل طارق، ومن أمريكا مثل لونج بيتش وبنما، إلى آسيا.
لكن كلما طال إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت المخاطر بأن تعجز السفن عن الحصول على الوقود اللازم لمواصلة رحلاتها.
والخلاصة هي أن زيت الوقود يأتي من قاع البرميل، لكنه قد يتحول في النهاية إلى أكبر مشكلة تواجه العالم.



