النفط يضع “الفيدرالي” الأمريكي أمام اختبار صعب
يمكن أن تتحول أسوأ أزمة نفط عالمية منذ عقود ، إلى مشكلة كبيرة أمام مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي يجتمع صُناع سياساته هذا الأسبوع لتحديد الخطوات التالية للاقتصاد الأمريكي.
فقد أدت حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران إلى قفزة حادة في أسعار النفط، إذ لامس خام غرب تكساس الوسيط، وهو المعيار الأمريكي للنفط الخام، مستوى 120 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة الأسبوع الماضي، ما يهدد برفع تكلفة كل ما يشتريه الأمريكيون تقريباً.
وفي الوقت ذاته، قد تضغط تكاليف الطاقة المرتفعة على الشركات والأسر، ما يبطئ التوظيف ويعرقل النمو الاقتصادي.
هذا التهديد المزدوج المتمثل في ارتفاع التضخم وضعف سوق العمل يضع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي في سيناريو خاسر مهما كانت الخيارات، في وقت ينتظر فيه كيفن وورش، اختيار ترامب لقيادة البنك المركزي، تأكيد مجلس الشيوخ، وذلك في توقيت غير ملائم إطلاقاً لأي مسؤول يجادل بخفض أسعار الفائدة.
لم يواجه الاحتياطي الفيدرالي صدمة نفطية بهذه الحدة منذ حرب عام 1973 العربية الإسرائيلية، التي أشعلت فتيل أزمة الركود التضخمي الشهيرة في ذلك العقد.
لكن الاقتصاد الأمريكي يبدو مختلفاً كثيراً اليوم، ومن غير المرجح أن يستجيب البنك المركزي بالطريقة التي فعلها صُناع السياسات قبل نصف قرن، حين دفعت زيادات أسعار الفائدة القوية الاقتصاد إلى ركود.
مقارنة صدمات النفط
بوصفها أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، تعتمد الولايات المتحدة بدرجة أقل بكثير على واردات النفط الخام مقارنة بما كانت عليه خلال أزمات الطاقة السابقة.
إلا أن الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية هذه المرة أكبر، بحسب خبراء.
فقد قال نيكولاس مولدر، أستاذ التاريخ في جامعة كورنيل، الذي يدرس التأثيرات الاقتصادية للحروب، لشبكة “سي إن إن”، إن “إجمالي إنتاج النفط في الخليج المعطل حالياً بسبب هذه الحرب أكبر بكثير مما كان عليه آنذاك. نحن نتحدث عن 20 مليون برميل مقابل نحو أربعة ملايين ونصف المليون في عام 1973… لذا فالحجم هذه المرة أكبر بعدة مرات حقاً”.
في أكتوبر 1973، شنت مصر وسوريا هجوماً مفاجئاً على إسرائيل في نزاع تصاعد سريعاً وجذب الولايات المتحدة في نهاية المطاف.
وقطع الأعضاء العرب في منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” إمدادات النفط عن الدول الغربية رداً على ذلك، ما ألحق بدوره أضراراً كبيرة بالاقتصاد الأمريكي، الذي كان يعتمد بشدة على النفط الأجنبي آنذاك.
صعود أسعار الطاقة يدفع الشركات والأسر إلى تقليص الإنفاق وتأجيل خطط التوظيف
وفي ظل رئاسة آرثر بيرنز للاحتياطي الفيدرالي، قاوم صُناع السياسات رفع أسعار الفائدة، معتبرين أن العوامل المختلفة التي كانت تدفع التضخم للارتفاع آنذاك، بما في ذلك صدمة النفط، تقع إلى حد كبير خارج نطاق السياسة النقدية.
ورغم أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة لاحقاً، فإنه فعل ذلك بصورة متقطعة.
ويقول اقتصاديون حالياً إن هذا النهج “توقف وانطلق” هو الذي سمح بترسخ التضخم، ولم يسهم كثيراً في دعم النمو.
لخص أحد خبراء الاقتصاد هذا التوجه في عرض قُدم خلال أحد اجتماعات تحديد أسعار الفائدة في الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، قائلاً إن “السؤال هو ما إذا كانت السياسة النقدية تستطيع أو ينبغي أن تفعل شيئاً لمكافحة معدل تضخم متبقٍ مستمر؟ … أعتقد أن الإجابة هي لا. … يبدو لي أننا يجب أن ننظر إلى استمرار زيادات التكاليف على أنه مشكلة هيكلية لا يمكن معالجتها بإجراءات اقتصادية كلية”.
ارتفاع الوقود يثقل كاهل المستهلكين ويقوض ثقة الأسر في مسار الأسعار
لكن اليوم، أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، كما أن اقتصادها قائم على الخدمات، ما يجعله أقل عرضة لتخفيضات الإنتاج النفطي العالمية.
كما أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، وقد تعلموا من أخطاء بيرنز، يعتقدون الآن على نطاق واسع أن السياسة النقدية تلعب دوراً مهماً في إدارة الصدمات الاقتصادية.
مع ذلك، قال جوش فريد، النائب الأول للرئيس لبرنامج المناخ والطاقة في مؤسسة “ثيرد واي”: “نحن في وضع تتعرض فيه منشآت لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية. هذا ضرر مادي قد يستغرق وقتاً لإصلاحه، ما قد يجعله أسوأ من حظر النفط في سبعينيات القرن الماضي، وهناك قدر هائل من عدم اليقين حول كل هذا”.
الحرب تثقل كاهل الأمريكيين
بدأ الأمريكيون بالفعل يشعرون بالضغط عند محطات الوقود، وبدأت الحرب تؤثر في توقعات الأفراد لمسار التضخم، إذ أظهر أحدث استطلاع لجامعة ميشيغان لآراء المستهلكين، الصادر يوم الجمعة، تراجع الثقة بنسبة 2% هذا الشهر مقارنة بفبراير، مع إشارة عدد متزايد من المستهلكين إلى الحرب في ردودهم.
ليس هناك مجال كبير للمناورة في سوق العمل أيضاً.
فقد أفاد مكتب إحصاءات العمل في وقت سابق من هذا الشهر بأن أرباب العمل شطبوا 92 ألف وظيفة في فبراير، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.4% من 4.3%.
وأظهر تقرير منفصل يوم الجمعة أن الوظائف الشاغرة ارتفعت بمقدار 400 ألف وظيفة في يناير مقارنة بديسمبر، رغم أن عدد العاطلين الباحثين عن عمل لا يزال يفوق عدد الوظائف المتاحة.
“الفيدرالي” يراهن على دروس التاريخ لتجنب انزلاق الاقتصاد نحو ركود جديد
تعليقاً على الأمر، قالت تاني فوكوي، المديرة الأولى لاستراتيجية الاقتصاد والأسواق لدى “ميتلايف إنفستمنت مانجمنت”: “ليس هناك شك كبير في أن الحرب مع إيران سيكون لها تأثير تضخمي. لكن حجم هذا التأثير لا يزال سؤالاً مفتوحاً إلى حد كبير”.
السؤال المطروح أمام الأمريكيين خلال أزمة النفط هذه لا يقتصر على مدى ارتفاع الأسعار، بل يتعداه إلى ما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قادراً على الاستفادة من دروس التاريخ للحيلولة دون انزلاق الاقتصاد نحو الركود.



