سباق التمويل الاستهلاكي والتجزئة المصرفية: الرقمنة تعيد تشكيل “تحالف الضرورة”
قال خبراء مصرفيون، إن التمويل الاستهلاكي لم يعد نشاطًا منافسًا لقطاع التجزئة المصرفية، مهما توسع وأتاح للعملاء مزيدا من التسهيلات.
واكد الخبراء، أن شركات التمويل الاستهلاكي تعتبر مكملة للقطاع المصرفي وتضمن توسعه، مشيرين إلى أن الشركات تطلب تمويلات من البنوك كلما توسع نشاطها، لمواكبة احتياجات العملاء وضمان استدامة النشاط، ما يدعم بالأخير القطاع المصرفي.
سليمان: تكلفة تشغيل القرض الصغير قد تتجاوز أرباحه.. والبنوك لا تفضل ذلك
قال أيمن سليمان، خبير مصرفي، إن الفترة الحالية هي عصر “التكنولوجيا المالية”، والتي سحبت البساط جزئيًا من تحت أقدام قطاع التجزئة في البنوك التقليدية. والمعركة الحالية بين القرض الشخصي والتمويل الاستهلاكي توضح أن العميل يفضل تطبيقات التمويل الاستهلاكي على الحساب التقليدي.
أضاف أن التوجه نحو التمويل الاستهلاكي يعتبر إعادة تشكيل لخريطة الائتمان، إذ انتصر التمويل الاستهلاكي في القروض الصغيرة والمتوسطة الموجهة للسلع الاستهلاكية.
وتابع :” السر يكمن في عامل الزمن، لأن إجراءات البنوك تستغرق أياما أو حتى أسابيع بالإضافة إلى موافقات ائتمانية معقدة، عكس التمويل الاستهلاكي والذي يكون فوريا، بالإضافة إلى حاجز المستندات، كمفردات المرتب والإيصالات، عكس التطبيقات والتي تعتمد على البطاقة الشخصية فقط”.
أضاف سليمان، أن تطبيقات التمويل الاستهلاكي تستهدف “غير المشمولين مصرفيًا” وفئات كانت تتجاهلها البنوك، كأصحاب العمل الحر والطلاب، والذين يعتبرهم البنك التقليدي “مخاطرة عالية”.
وكشف عن أن هناك تراجعا بالفعل في توجه الأفراد نحو القروض الشخصية .. لكن هذا التراجع يمكن وصفه على أنه “نوعي” وليس كمي شامل، إذ تعد البنوك الوجهة الأولى لشرائح واسعة من المقترضين.
وأوضح أن اقتحام تطبيقات التمويل الاستهلاكي نقاط البيع في المتاجر، جعلت من السهل التوجه مباشرة وشراء السلع والمنتجات بدلًا من الذهاب للبنك وطلب قرض شخصي والانتظار ثم التوجه للشراء.
فالعميل لم يعد يبحث عن القرض لذاته، بل يبحث عن السلعة، والتمويل الاستهلاكي دمج الاثنين في خطوة واحدة، مما سحب البساط من القروض الشخصية الموجهة للمشتريات.
أوضح سليمان أن البنوك في العادة لا تحب إقراض مبالغ صغيرة جداً، وذلك بسبب أن تكلفة تشغيل القرض إداريًا قد تكون أعلى من ربحه، وتطبيقات التمويل الاستهلاكي وبرامج “اشترِ الآن وادفع لاحقاً” تزدهر على هذه المبالغ الصغيرة، وهي تمثل قطاعاً ضخماً من احتياجات الأفراد اليومية.
ورغم ذلك، فإن القروض الشخصية تستطيع تغطية مساحات يعجز عنها التمويل الاستهلاكي، كتوفير سيولة نقدية والتي تتيح للعميل “كاش” في يديه لسداد مديونيات أو مصروفات طارئة عكس التمويل الاستهلاكي.
وأوضح أن سقف التمويل الاستهلاكي غالبًا ما يكون محدودا، بينما يمكن أن يصل القرض الشخصي لملايين الجنيهات بفترات سداد تصل إلى 10 سنوات لأن البنوك تمتلك سيولة أعلى، بالإضافة إلى ارتفاع الفائدة في التمويل الاستهلاكي والتي قد تصل إلى 40% عن فوائد البنوك.
وفي الأزمات الاقتصادية، قال سليمان، إن الأفراد يثقون في المؤسسات المصرفية الخاضعة لرقابة “المركزي” الصارمة، أكثر من تطبيقات التكنولوجيا الناشئة، وحين تتراكم الأقساط على العميل من عدد من التطبيقات، قد يلجأ في النهاية للبنك للحصول على قرض واحد لسداد كل المديونيات.
أضاف أن البنوك تعمل في الخلفية، إذ تقوم بعض البنوك بتمويل تلك التطبيقات.. و التراجع في الاتجاه نحو القروض سيكون في الشكل التقليدي وليس مبدأ الاقتراض نفسه.
وتابع:” البنوك يجب أن تقدم تسهيلات في القروض الشخصية لجذب شريحة أكبر بأقصى سرعة، إذ إن المؤسسات المصرفية الآن في وضع دفاعي عن الحصة السوقية في ذلك المنتج، وهناك عدد من المقترحات لذلك التحول”.
كشف سليمان، عن أن أكبر عائق أمام العميل في البنك هو شهادة الدخل أو إيصال المرافق، ويجب أن تعتمد البنوك على التقييم السلوكي للعميل بدلًا من طلب ورقة من جهة العمل، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لدراسة الحساب وإعطاء موافقة فورية للقرض بناء على التاريخ المالي.
أبو الخير: نحن أمام إعادة تشكيل لهيكل الطلب وليس انكماشًا شاملًا في دور البنوك
وقال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن مصر شهدت نموًا متسارعًا في التمويل الاستهلاكي، مستفيدة من التطور الرقمي وسهولة الإجراءات وسرعة الحصول على التمويل عبر الهاتف، والاكتفاء ببطاقة الرقم القومي دون الحاجة إلى الدورة المستندية التقليدية المرتبطة بالبنك.
أضاف أن التمويل الاستهلاكي لا يُقصي البنوك من سوق تمويل الاحتياجات الشخصية، بل يعيد توزيع الشرائح المستهدفة، إذ تركز تلك الشركات على تمويل سلع محددة بقيم صغيرة ومتوسطة وبإجراءات مختصرة، بينما تظل البنوك أكثر نشاطًا في القروض الشخصية ذات القيم الأكبر، ومدد السداد الأطول، والتي ترتبط غالبًا بتحويل الراتب أو إثبات دخل منتظم.
أوضح أبو الخير، أن المنافسة بين الطرفين قائمة، لكنها ليست إحلالية بالكامل، إذ يخدم كل منهما احتياجات مختلفة من حيث حجم التمويل وطبيعته ومدته. ورغم ذلك، قد تتأثر بعض الشرائح لا سيما الشباب وأصحاب الدخول غير المنتظمة، ما قد يؤدي إلى تراجع نسبي في الطلب على القروض الشخصية التقليدية داخل هذه الفئات تحديدًا.
وذكر أن القروض البنكية ستظل محتفظة بجاذبيتها لشريحة كبيرة من العملاء الباحثين عن تمويل أكبر حجمًا، أو تكلفة أقل، أو فترات سداد ممتدة، أو تعامل مؤسسي أكثر استقرارًا يمنحهم قدرًا أعلى من الثقة، وحاليًا نحن أمام إعادة تشكيل لهيكل الطلب وليس انكماشًا شاملًا في دور البنوك.
أشار أبوالخير، إلى أن البنوك يجب أن تتبنى خطوات تطويرية للحفاظ على تنافسيتها، ليس فقط عبر تقليل الإجراءات الورقية، بل من خلال التحول الرقمي الكامل لرحلة القرض الشخصي، بدءًا من التقديم الإلكتروني والتحقق الرقمي من البيانات، وصولًا إلى سرعة الموافقة والصرف.
وأضاف أنه يمكن تطوير منتجات أكثر مرونة، مثل القروض ذات الموافقات الفورية للعملاء القائمين، أو حدود ائتمانية دوارة مرتبطة بالدخل، أو برامج تحفيزية تعزز ولاء العملاء. فالمنافسة اليوم لم تعد تعتمد على السعر وحده، بل على تجربة العميل وسهولة الوصول وسرعة التنفيذ.
وتابع :” تكلفة التمويل تعد أحد أبرز عناصر المفاضلة بين القرض الشخصي والتمويل الاستهلاكي. ففي كثير من الحالات تكون التكلفة الفعلية للتمويل الاستهلاكي أعلى عند احتساب جميع الرسوم والمصاريف، مقارنة بالقروض البنكية التي قد تقدم سعر عائد أقل نسبيًا”.
أوضح أبو الخير، أن بعض العملاء يركزون على قيمة القسط الشهري وسهولة الحصول على الموافقة أكثر من اهتمامهم بحساب التكلفة الإجمالية. كما تلعب مدة السداد دورًا محوريًا، إذ توفر البنوك عادة مددًا أطول، ما يخفف العبء الشهري ويزيد جاذبية القرض لمن لديهم التزامات متعددة.
وأشار إلى أن التمويل الاستهلاكي لا يُنهي دور القروض الشخصية، لكنه يفرض بيئة تنافسية قائمة على السرعة والمرونة والرقمنة. والبنوك التي ستتمكن من الحفاظ على حصتها السوقية وتعزيزها هي تلك التي تجمع بين انخفاض التكلفة النسبية وتقديم تجربة رقمية سلسة تضاهي تطبيقات التمويل الحديثة، مع الحفاظ على قوة علامتها التجارية وثقة عملائها.
عبدالوهاب: تكلفة التمويل عبر الشركات تتجاوز البنوك رغم سهولة وسرعة الإجراءات
وقال على عبدالوهاب، المدير التنفيذي لشركة بي تك للتمويل الاستهلاكي، إن هناك خلطًا شائعًا بين التمويل الاستهلاكي والقروض الشخصية، مؤكدًا أن لكل منهما طبيعة وأهدافًا مختلفة.
وأوضح أن التمويل الاستهلاكي أُنشئ بالأساس لتمويل شراء السلع والخدمات، وليس للحصول على قرض نقدي مباشر كما هو الحال في القروض الشخصية، مشددًا على أن الفارق بين المنتجين “جوهري”، سواء من حيث الغرض أو آلية الاستخدام.
أضاف أن سهولة الإجراءات وتعدد قنوات الإتاحة وانتشار شركات التمويل الاستهلاكي أسهم بشكل كبير في جذب شريحة واسعة من العملاء، خاصة في ظل سرعة إصدار القرار الائتماني، والذي قد يتم خلال وقت قصير بمجرد تقديم صورة بطاقة الرقم القومي وإجراء استعلام ائتماني عبر الشركة، إلى جانب بعض إجراءات الفحص الداخلي.
وهذه العوامل كانت المحرك الرئيسي وراء النمو القوي في محافظ شركات التمويل الاستهلاكي خلال السنوات الأخيرة، في مقابل الإجراءات البنكية التي قد تستغرق عدة أيام للحصول على الموافقة.
وفيما يتعلق بإمكانية جذب شرائح جديدة من العملاء الذين لا يزالون يفضلون القروض البنكية، أكد عبدالوهاب أن التحدي الأكبر الذي يواجه شركات التمويل الاستهلاكي يتمثل في ارتفاع تكلفة التمويل، موضحًا أن الشركات تعتمد بشكل رئيسي على خطوط ائتمان من البنوك، في ظل عدم امتلاكها أوعية ادخارية منخفضة التكلفة مثل البنوك.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة الأموال ينعكس في النهاية على السعر النهائي للمنتج المقدم للعميل، ما يجعل تكلفة التمويل عبر الشركات أعلى نسبيًا مقارنة بالبنوك، رغم سهولة وسرعة الإجراءات.
وأوضح أنه حال تراجع تكلفة التمويل، فإن أحجام النشاط قد تتضاعف مقارنة بالمستويات الحالية.
وأكد عبد الوهاب، أن نطاق التمويل الاستهلاكي بات واسعًا للغاية، إذ يمكن تمويل مختلف أنواع السلع والخدمات، بما في ذلك السيارات وغيرها من المشتريات ذات القيمة المرتفعة، مشيرًا إلى أن العامل الحاسم في قرار العميل بين البنك وشركة التمويل يظل تكلفة الاقتراض.
ورأى أن اتجاه “المركزي” نحو خفض أسعار الفائدة الفترة الماضية سينعكس إيجابيًا على القطاع، عبر تقليص تكلفة التمويل، لكن الفجوة السعرية بين البنوك وشركات التمويل قد تظل قائمة، وإن كانت ستتراجع نسبيًا.
وحول تأثير الضوابط الأخيرة الصادرة عن “المركزي” بشأن عمليات التوريق، قال عبدالوهاب إن اشتراط سداد جزء من المحفظة قبل تنفيذ عمليات التوريق قد يحد من وتيرة العمليات بشكل محدود، لكنه لن يوقفها.
وأوضح أن الهدف من الإجراءات الجديدة هو تعزيز الحوكمة وضبط إيقاع السوق، لافتًا إلى أن البنك المركزي يتحمل مسؤولية أدبية تجاه ودائع العملاء واستقرار المنظومة المالية، ومن ثم من حقه التدخل حال رصد أي ممارسات تحتاج إلى تنظيم أكبر.
الفقي: التكامل بين القطاعين يدعم التحول نحو مجتمع أقل اعتمادًا على النقد
وقال محمد الفقي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سيمبل للشراء الآن والدفع لاحقًا، إن نشاط التمويل الاستهلاكي يسهم في توسيع قاعدة المستخدمين للخدمات المالية، خاصة أنه يصل إلى شرائح من العملاء لا تتعامل تقليديًا مع البنوك.
وأوضح أن شركات التمويل الاستهلاكي تعتمد في الأساس على تمويلات مصرفية، بما يعني أن البنوك تمول هذه الشريحة من العملاء بصورة غير مباشرة، مشيرًا إلى أن التكامل بين القطاعين يدعم جهود الشمول المالي والتحول نحو مجتمع أقل اعتمادًا على النقد.
وفيما يتعلق بإمكانية تطوير أدوات جديدة تمكّن الشركات من تقديم خدمات مماثلة للبنوك، أشار الفقي إلى أن الأمر لا يرتبط بابتكار أدوات بقدر ما يرتبط بطبيعة الرخص المتاحة والإطار التنظيمي الحاكم للنشاط.
أضاف أن بعض الشركات تسعى إلى تنويع مصادر تمويلها، من خلال إنشاء صناديق استثمار، إلا أنها تخضع لضوابط استثمارية محددة، إذ يتعين توظيف أموالها في أنشطة تحقق عائدًا لحملة الوثائق، مثل الاستثمارات الصناعية أو الزراعية أو السياحية، أو في أدوات الدين الحكومية كأذون الخزانة، ولا يمكن استخدامها بحرية في الإقراض المباشر على غرار الودائع المصرفية.
وأكد أن الفارق الجوهري يتمثل في أن البنوك تمتلك أوعية ادخارية مثل حسابات التوفير والودائع، تتيح لها مرونة أكبر في توظيف الأموال في الإقراض، بينما تظل مصادر تمويل شركات الشراء الآن والدفع لاحقًا محكومة بطبيعة الأموال المتاحة لها وتكلفتها.



