رئيس اتحاد المستثمرين لـ«البورصة»: ربط المصانع الكبرى بالمستثمر الصغير «مفتاح الثورة الصناعية الجديدة»
يتحرك اتحاد المستثمرين على أكثر من مسار لدعم مناخ الاستثمار، سواء عبر مشروعات فعلية على الأرض أو من خلال طرح رؤية اقتصادية شاملة تستهدف معالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
ويراهن الاتحاد على التوسع فى الاستثمار الإنتاجي، داخلياً وخارجياً، باعتباره السبيل الأهم لتوفير العملة الصعبة وتعزيز قدرة الاقتصاد المصرى على النمو.
قال محرم هلال، رئيس الاتحاد المصرى لجمعيات المستثمرين، إن الاتحاد يضع التوسع فى الاستثمار بالقارة الإفريقية على رأس أولوياته خلال المرحلة الحالية، باعتبارها من أكثر الأسواق الواعدة القادرة على استيعاب الاستثمارات المصرية وتحقيق عوائد دولارية مستدامة.
وأوضح فى حوار لـ«البورصة» أن الاتحاد يعمل بالفعل على تنفيذ مشروعين استثماريين فى كل من أنجولا وتنزانيا، باستثمارات تُقدر بنحو 15 مليون دولار.
قدمنا مبادرة «حضانات المستثمر الصغير» لإحداث طفرة إنتاج حقيقية
ويستهدف المشروع الأول فى أنجولا تصنيع وتعبئة أسطوانات البوتاجاز، بينما يركز المشروع الثانى فى تنزانيا على الصناعات الغذائية وخدمات الكاترينج (توريد الطعام والشراب)، على أن يتم الانتهاء من تنفيذ المشروعين بنهاية عام 2026.
وأشار هلال إلى أن التوجه نحو إفريقيا لا يقوم على التجارة التقليدية قصيرة الأجل، وإنما على الاستثمار الإنتاجى المباشر، مؤكداً أن القارة السمراء ما زالت «قارة عذراء» مليئة بالفرص غير المستغلة، وتمثل متنفساً حقيقياً للمستثمر المصرى فى ظل التحديات التى تواجه الأسواق التقليدية.
أضاف أن هذه المشروعات تمثل نموذجاً يمكن البناء عليه خلال الفترة المقبلة، سواء من حيث نقل الخبرات الصناعية المصرية أو فتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية، بما يسهم فى زيادة موارد النقد الأجنبى ودعم الميزان التجاري.
وفيما يتعلق بأداء عام 2025، قال هلال إن العام الماضى مر «بحلوه ومره»، وشهد بعض الإنجازات، لكنها لم تصل إلى مستوى الطموحات، فى ظل حجم التحديات الاقتصادية التى واجهت الدولة محلياً وعالمياً.
اقترحنا تحديد حوافز واضحة للمصانع الكبرى المشاركة فى الاحتضان
أضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب تغييراً حقيقياً فى أسلوب التفكير والعمل، مشدداً على أن الحلول لن تأتى من الانتظار أو الاعتماد على الظروف الخارجية، وإنما من خلال العمل الجاد وزيادة الإنتاج.
وحول الأوضاع الاقتصادية الداخلية، أوضح رئيس اتحاد المستثمرين أن أزمة الدولار تمثل جوهر المشكلة الاقتصادية فى مصر، مشيراً إلى أن استمرار الاستيراد بمعدلات تفوق التصدير يؤدى إلى نقص دائم فى العملة الأجنبية.
وأشار إلى أن هذا الأمر ينعكس بشكل مباشر على الأسعار ومعدلات التضخم، ما يؤدى إلى تآكل الطبقة المتوسطة وزيادة الأعباء المعيشية، فضلاً عن استمرار الضغوط من المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.
وحول أولويات الاتحاد خلال عام 2026، قال هلال إن هناك أربعة ملفات رئيسية تمثل خريطة الطريق للمرحلة المقبلة.
كوريا وماليزيا وفيتنام اعتمدت على الصناعات الصغيرة والمتوسطة
وأوضح أن قطاع السياحة يأتى فى مقدمة هذه الأولويات، باعتباره أحد أسرع القطاعات القادرة على توليد العملة الصعبة، داعياً إلى العمل على رفع عدد السائحين من نحو 18 مليون سائح حالياً إلى ما لا يقل عن 26 مليون سائح خلال عام 2026.
أضاف أن هذا الرقم متواضع مقارنة بالإمكانات السياحية التى تمتلكها مصر حال استغلالها بالشكل الأمثل، سواء من حيث البنية التحتية أو التنوع السياحى.
ولفت إلى أن التصنيع المحلى يمثل أولوية لا تقل أهمية، من خلال تحديد السلع التى يتم استيرادها والعمل على إنتاجها محلياً بنفس المواصفات العالمية، بما يقلل من فاتورة الاستيراد ويدعم الصناعة الوطنية.
وكشف عن برنامج متكامل لدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة بنظام «الحضانات الصناعية»، تم عرضه ومناقشته فى وقت سابق مع نائب رئيس الوزراء، ويستهدف خلق قاعدة إنتاجية قوية قادرة على المنافسة داخلياً وخارجيًا.
600 مليار جنيه للبنية الأساسية فى سيناء.. والعائد الاقتصادى «لا يزال دون المستوى»
قال هلال، إن اتحاد المستثمرين تقدم بمبادرة قومية متكاملة تحت مسمى «حضانات المستثمر الصغير»، لإحداث طفرة حقيقية فى ملف الصناعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها العمود الفقرى لأى نهضة صناعية حقيقية.
وأوضح أن المبادرة تستهدف إنشاء 1000 مصنع موزعة على مختلف محافظات الجمهورية، بواقع عدد محدد من المصانع لكل محافظة، مع اختيار الشباب وخريجى الجامعات الراغبين فى الاستثمار الصناعى على مستوى الجمهورية، وفق معايير واضحة.
وأشار هلال إلى أن المبادرة تركز فى مرحلتها الأولى على صناعات الأجهزة المنزلية، وعلى رأسها البوتاجازات، والثلاجات، والغسالات، والتكييفات، وغيرها من الصناعات المشابهة، مع استبعاد الدخول فى أى صناعات نهائية أو استهلاكية بسيطة.
وأكد أن المستهدف هو الصناعات المغذية، من خلال تحديد عدد القطع التى يتم استيرادها سنوياً لكل سلعة، ثم اختيار عدد من هذه المكونات لاستبدالها بمنتجات محلية بنفس الجودة العالمية.
«سوبريم القابضة» تستهدف مليار جنيه مبيعات 2026
وأضاف رئيس اتحاد المستثمرين أن أحد أهم عناصر نجاح المبادرة يتمثل فى ربط المستثمر الصغير بالمصانع الوطنية الكبرى، بحيث يتولى كل مصنع كبير احتضان عدد من المصانع الصغيرة.
وأوضح أن المصنع الكبير يقوم بشراء المعدات من الخارج وتركيبها وتدريب الشباب عليها، إلى أن يصل الإنتاج إلى المواصفات العالمية المطلوبة، على أن يتم توقيع عقود شراء مسبقة لمدة خمس سنوات، تلتزم بموجبها المصانع الكبرى بشراء كامل إنتاج المصانع الصغيرة.
وسيتم تحديد حوافز واضحة للمصانع الكبرى المشاركة فى الاحتضان، بما يضمن استدامة المبادرة ونجاحها.
وأوضح هلال أن الدولة ستقوم بتوفير مبانٍ صناعية جاهزة، مزودة بكامل البنية التحتية، بنظام الإيجار أو الإيجار التمويلى، لكل مستثمر شاب فى محافظته.
وأضاف أن التمويل سيتم من خلال مبادرة الرئيس بقيمة 200 مليار جنيه، إلى جانب مبادرات البنك المركزي، بفائدة ثابتة منخفضة ولمدة خمس سنوات، مع فترة سماح سنتين، مشيراً إلى أن تخفيض الفائدة إلى 3% سيكون حافزاً قوياً لنجاح المشروع.
حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا يزال أقل من المستهدف
وكشف رئيس اتحاد المستثمرين عن تصور مبدئى لتوزيع المصانع على المحافظات، يشمل: القاهرة 100 مصنع، والجيزة 80 مصنعاً، والإسكندرية 80 مصنعاً، والشرقية 60 مصنعاً، والدقهلية 50 مصنعاً، والبحيرة والغربية 40 مصنعاً لكل منهما، والمنوفية 60 مصنعاً، والإسماعيلية وبورسعيد والسويس 20 مصنعاً لكل محافظة، والفيوم 20 مصنعاً، وبنى سويف 30 مصنعاً، والمنيا وأسيوط وسوهاج 40 مصنعاً لكل محافظة.
وأوضح أن تطبيق المبادرة سيبدأ بالمحافظات الرئيسية أولاً، تمهيداً لتعميمها بعد إثبات نجاح التجربة.
وأكد هلال أن جميع الدول التى حققت قفزات اقتصادية كبرى، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وفيتنام وسنغافورة وتايوان، اعتمدت بشكل أساسى على الصناعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، وربطتها بالتعليم والتمويل والتكنولوجيا.
وأشار إلى أن هذه الصناعات تسهم فى تشغيل العمالة، وزيادة الناتج المحلى، ودعم الصادرات، وتوطين التكنولوجيا، وتحقيق العدالة الجغرافية، وخفض الاستيراد، وتقليل الضغط على الدولار.
وشدد على أن المبادرة لا تمت بصلة إلى الصناعات الحرفية أو اليدوية، وإنما تستهدف صناعة حديثة قائمة على التكنولوجيا والجودة.
وأوضح رئيس اتحاد المستثمرين أن مصر تمتلك مقومات قوية، تشمل سوقاً محلياً كبيراً، وطاقة بشرية شابة، وموقعاً جغرافياً متميزاً، وقاعدة صناعية قابلة للتوسع، لكن التحدى الحقيقى يتمثل فى ضعف منظومة الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار إلى أن أبرز المعوقات تشمل تعدد الجهات، والبيروقراطية، وضعف التعليم الفني، وصعوبة التمويل، وغياب قواعد البيانات الدقيقة، وضعف الربط بين المصانع الكبرى والجامعات ومراكز البحث العلمى.
وأكد هلال ضرورة إنشاء جهاز قومى مستقل لتطوير الصناعات الصغيرة والمتوسطة، تحت رئاسة رئيس مجلس الوزراء، يتولى التنسيق بين جميع الجهات المعنية، على أن تظل عملية التنفيذ بالكامل بيد القطاع الخاص.
وإنشاء مناطق صناعية متخصصة فى كل محافظة وفى كل مدينة، وتحفيز الابتكار والبحث العلمي، ودعم التسويق والتصدير من خلال منصات إلكترونية ومعارض محلية ودولية، على أن يكون التصدير إلى إفريقيا عنصراً رئيسياً للنجاح.
وأوضح أن الجهاز المقترح يضم ممثلين عن جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، واتحاد الصناعات، واتحاد المستثمرين، والوزارات المعنية، والبنك المركزى والبنوك، والجامعات، والقطاع الخاص، ومبادرة «ابدأ» الرئاسية.
وشدد على أهمية تعيين ضباط اتصال مؤهلين بين اللجنة العليا والمحافظات لضمان المتابعة اليومية وحل أى معوقات.
يجب أن تبتعد الدولة عن منافسة المستثمرين
وأشار هلال إلى الدور المحورى الذى يلعبه المصريون بالخارج فى دعم الاقتصاد الوطني، موضحاً أن تحويلاتهم سجلت نحو 40 مليار دولار خلال العام الماضى.
وأكد أن المصريين بالخارج يمثلون أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي، فى ظل ارتباطهم الوثيق بوطنهم وحرصهم على دعمه فى أصعب الظروف.
وحول ملف التهرب الجمركي، شدد رئيس اتحاد المستثمرين على ضرورة تشديد الرقابة على المنافذ الجمركية، خاصة فى بعض الموانئ، لما يمثله التهرب من ضرر بالغ على الصناعة الوطنية وتنافسيتها، فضلاً عن تأثيره السلبى على الإيرادات العامة للدولة.
وتطرق هلال إلى ملف تنمية سيناء، مشيراً إلى أن الدولة أنفقت نحو 600 مليار جنيه على البنية الأساسية، لكن العائد الاقتصادى لا يزال دون المستوى المأمول.
وأكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تعظيم العائد الاستثمارى وتحويل سيناء إلى مركز جذب استثمارى قادر على توليد عملة صعبة، بما يسهم فى تخفيف أعباء خدمة الدين الخارجى.
قال محرم هلال، الذى يشغل منصب رئيس مجلس إدارة مجموعة سوبريم القابضة، إن المجموعة تستهدف مبيعات تقترب من المليار جنيه خلال العام الحالى، موضحاً أن المجموعة تركز حالياً على الاستثمار فى أفريقيا، بجانب الدخول فى مشروع ضخم فى سيناء بالشراكة مع الدولة.
وفيما يتعلق بملف الطاقة، حذر رئيس اتحاد المستثمرين من أن الموارد التقليدية لن تستمر إلى الأبد، مشيراً إلى أن العالم يتجه نحو مصادر بديلة، وعلى رأسها طاقة الثوريوم.
وأوضح أن مصر تمتلك احتياطيات كبيرة من الثوريوم تؤهلها للعب دور محورى فى هذا المجال مستقبلاً، إذا ما تم استغلال هذه الموارد بالشكل العلمى والاقتصادى الصحيح.
كما شدد هلال، على أن التحول الرقمى واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى لم يعد خيارًا، بل ضرورة للبقاء فى دائرة المنافسة خلال السنوات المقبلة.
وأكد أن الشركات التى لا تواكب هذا التحول خلال عامى 2026 و2027 ستفقد قدرتها على الاستمرار، مهما كان حجمها أو تاريخها.
وأشار إلى أن حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا يزال أقل من المستهدف، مطالباً بتسهيل إجراءات الدخول، وتوفير الأراضي، وسرعة الفصل فى المنازعات خلال فترة لا تتجاوز 3 أشهر.
وشدد على ضرورة ابتعاد الدولة عن منافسة المستثمرين، والاكتفاء بدورها فى التنظيم والرقابة والتيسير.



