كيفن وورش.. ورهانات استقلال “الاحتياطى الفيدرالى”
الاستقلالية لا تكون قابلة للاستمرار سياسياً إلا عندما تقترن بالمساءلة
بعد أن اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كيفن وورش، ليكون مرشحه لخلافة جيروم باول في رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بات من الضروري أخذ أفكار وورش على محمل الجد، إن لم يكن حرفياً.
تركز جزء كبير من النقاش حول “وورش” ، على توصياته بشأن أسعار الفائدة، التي تأرجحت مع اتجاه الرياح السياسية، لكن هذا التركيز يضخم مسألة ثانوية، فسياسة أسعار الفائدة في الاحتياطي الفيدرالي تُقرر عبر لجنة، حيث لا يكون الرئيس سوى صوت واحد بين أصوات عديدة.
صحيح أن صوت الرئيس هو الأعلى، لكن ذلك لا يضمن ترجيحه.
فقد جرى التصويت ضد جي ويليام ميلر في عام 1979 عندما عارض رفع سعر الخصم في الاحتياطي الفيدرالي. (وكانت معارضة ميلر قد هُزمت داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لا اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، إذ إن المجلس هو الجهة التي تحسم القرار النهائي بشأن سعر الخصم).
كما أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي الراحل والمُقدر بول فولكر تعرض بدوره للتصويت ضده لفترة وجيزة في عام 1986 عندما عارض خفض أسعار الفائدة.
لم تُلحق أي من الحالتين ضرراً بسمعة الاحتياطي الفيدرالي، رغم أن كليهما قلص نفوذ الرئيس، وغادر كل من ميلر وفولكر منصبيهما بعد ذلك بوقت غير طويل، وهو درس تحذيري “لورش”، فالرئيس المقبل سيحتاج إلى بناء توافق واسع لتجنب مصير مشابه لميلر.
هذا ما يجعل أفكار وورش بشأن التنبؤ بمسار الاقتصاد موضع اهتمام بالغ، لأن هذه الأفكار ستكون الأداة التي يمارس عبرها تأثيره على بقية المحافظين، بحسب موقع “بروجكت سنديكيت”.
ففي بعض الأحيان، بدا وورش وكأنه يدعو إلى تقليل الاعتماد على النماذج الاقتصادية المعقدة، وعلى الكوادر المهنية والبيانات الواردة، مفضلاً نهجاً أكثر تقديرية يستند إلى مزاج الأسواق.
وقد أثبت هذا النهج القائم على المعنويات نجاحه أحياناً عندما يكون بيد ممارسين مخضرمين، مثل مرشد وورش، المستثمر الملياردير ستانلي دراكنميلر، الذي لمع اسمه في صندوق “كوانتم” التابع لجورج سوروس، لكن من غير المرجح أن يصلح هذا النهج دليلاً للتنبؤ بالتطورات المتوسطة الأجل للتضخم والتوظيف.
في أوقات أخرى، يبدو أن وورش يدافع عن تقليل الاعتماد على المؤشرات الاقتصادية المتأخرة، والتركيز بدرجة أكبر على مصادر البيانات الاقتصادية الآنية التي وفرتها الثورة الرقمية.
وهنا، يصيب الهدف، لكن الأمر نفسه ينطبق على موظفي الاحتياطي الفيدرالي، الذين يستشهدون بالفعل في أبحاثهم ببيانات صادرة عن مشروعات مثل “مشروع المليار سعر” ومختبر التسعير في كلية هارفارد للأعمال.
باستثناء دراكنميلر، فإن أقرب شخصية مالية يمكن تشبيه وورش بها هي “جيه بي مورجان” الأب، الذي كان منخرطاً بعمق في إدارة الأزمات المصرفية والمالية الكبرى التي كانت تندلع دورياً في الولايات المتحدة قبل تأسيس الاحتياطي الفيدرالي.
كان النهج المفضل لدى “مورجان” يتمثل في تنظيم عمليات إنقاذ، تقوم فيها البنوك الأقوى بتوفير السيولة اللازمة لإبقاء نظيراتها الأضعف طافية وتهدئة الأسواق المالية.
وفي حادثة شهيرة عام 1907، استدعى مورجان رؤساء أكبر بنوك نيويورك وحبسهم في مكتبته الخاصة إلى أن وافقوا على توفير الأموال اللازمة لإنقاذ مؤسسات مالية أخرى كانت سليمة من حيث الملاءة لكنها مهتزة.
أما وورش، فقد لعب دوراً محورياً في التوسط لصفقة استحواذ “جيه بي مورجان تشيس” على “بير ستيرنز” في عام 2008، وفي نهاية المطاف، لم تفلح هذه المعالجة الانتقائية في وقف أزمة نظامية شاملة.
فقد تطلب الأمر ضخ سيولة واسعة النطاق من البنك المركزي، وهو النوع ذاته من التدخلات الائتمانية التي أبدى وورش تحفظات حيالها.
في عام 1907، كان المشاركون في الأسواق المالية يبدون مخاوف مماثلة من الاعتماد على نهج القطاع الخاص الذي مثله جيه بي مورجان في معالجة الأزمات المالية.
وقد قادت تلك المخاوف مباشرة إلى تأسيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في عام 1913 (وهو العام نفسه الذي توفي فيه مورجان).
في سياق متصل، يجادل “وورش”، بأن على الاحتياطي الفيدرالي التركيز على تفويضه المزدوج المتمثل في ضمان استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف، مع تجنب تمدّد المهام.
يبدو أن هذا الطرح يقترب بشكل خطِر من التنصل من مسئولية الاحتياطي الفيدرالي عن الإشراف المصرفي والاستقرار المالي، ما قد يشجع على المزيد من تخفيف القيود التنظيمية.
تعكس رؤية “وورش”، انشغالاً بمخاطر “الانحراف السلوكي”، أي القلق من أن يؤدي توسع ميزانية الاحتياطي الفيدرالي إلى تشجيع البنوك على السلوكيات عالية المخاطر، ورفع أسعار الأصول، وتعزيز الإسراف لدى حكومة اتحادية تعاني بالفعل من عجز مزمن.
لكن في حين أن مخاطر الانحراف السلوكي تشكل هاجساً مشروعاً، فإن مخاطر الانهيار الشامل لا تقل وجاهة، وجوهر العمل المصرفي المركزي الناجح لا يكمن في تفضيل أحد الخطرين على الآخر.
تتمثل أقوى حجة لتركيز الاحتياطي الفيدرالي على تفويضه الأساسي، المفهوم على أنه يشمل استقرار الأسعار والتوظيف الكامل وكذلك الاستقرار المالي، في أن الحفاظ على استقلالية السلطة النقدية يعتمد على ذلك.
فالاستقلالية لا تكون قابلة للاستمرار سياسياً إلا عندما تقترن بالمساءلة، أي عندما يُطلب من الأفراد والمؤسسة التي أُنيطت بها مهام عامة أن تشرح أفعالها وتبررها.
كلما كان التفويض أكثر تعقيداً، ازدادت صعوبة تقييم السادة السياسيين للوكالة- أي الكونجرس والرأي العام- لمدى التوافق بين قراراتها من جهة، وأهدافها الموكلة إليها من جهة أخرى.
وعندها يصبح من الأصعب على صُناع السياسات المستقلين الدفاع عن قراراتهم بصورة مقنعة، والمفارقة أن”وورش”، الذي رشحه رئيس يضع الولاء فوق كل اعتبار، قد يُخلَّد اسمه بوصفه أحد أبرز المدافعين عن استقلالية البنوك المركزية.



